أحمد بن علي القلقشندي

144

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الحقّ قويّا عنده والقويّ في الباطل ضعيفا . وكانت البلاد الحلبيّة المحروسة هي المملكة الَّتي لا تجارى شهباؤها في حلبة فخار ، والرّتبة الَّتي لا يؤهّل لها من خواصّ الأولياء الأعزّة إلَّا من استخرنا اللَّه تعالى في تقليد جيد مفاخره بلآليء كفالتها فخار ؛ فهي سور الممالك الَّذي لا تتسوّره الخطوب ، وأمّ الثّغور الَّتي ما برح يسفر بابتسامها عن شنب النّصر وجه الزمن القطوب ، وموطن الرّباط الَّذي كلّ يوم وليلة [ فيه ] ( 1 ) خير من الدّنيا وما فيها ، وعقيلة الأقاليم الَّتي كم أشجى قلوب الملوك الأكابر صدودها وأسهر عيون العظماء الأكاسرة تجافيها ؛ بل هي عقد درّه حصونه ، وروض سيوف الكماة جداوله ورماح الحماة غصونه ، وحمّى لم تزل عيون عنايتنا بعون اللَّه تحفّه وأيدي تأييدنا بقوّة اللَّه تصونه - اقتضت آراؤنا الشريفة أن نرهف بحمايتها هذا السّيف الَّذي تسابق الأجل مضاربه ، وتبطل الحيل تجاربه ، ويتقدّم خبر عزائمه خبرها فلا يدرى : هل ريح الجنوب أسرى وأسرع أم جنائبه ( 2 ) ، وتبثّ مهابته أمام سراياه إلى العدا سرايا رعب تفلّ جمعهم ، وتسبق إلى التّحرز من بأسه بصرهم وسمعهم ، وتسفر بكل أفق عن [ شيعة ] ( 3 ) مغيرة ، أو كتيبة تجعلها لمعالي النصر الكامنة مثيرة . فلذلك رسم بالأمر الشّريف العالي - لا زالت أوامره مبسوطة في البسيطة ، وممالكه محوطة بمهابته الشّاملة ومعدلته المحيطة - أن تفوّض إليه نيابة السّلطنة الشّريفة بالمملكة الحلبيّة : تفويضا يعوّذها من عيون العدا بآيات عزائمه ، ويعوّدها اجتناء ثمر المنى والأمن من ودق صوارمه ، وينظم دراريّ الأسنّة من أجياد حصونها في مكان القلائد ، ويجعل كماة أعدائها لخوفه أضعف من الولدان وأجبن من الولائد ، ويجرّد إلى مجاوريها من همّته طلائع تحصرهم في

--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 2 ) الجنائب : النوق . ( 3 ) بالأصل « تبعثها » . والتصحيح من هامش الطبعة الأميرية .